Tuesday, December 22, 2015

رسائل لم تصل - نص نُشر في مجلة قاب قوسين الالكترونية

رسائل لم تصل

       
 
 
الرسائل تلك المشاعر المُطرزة على هيئة حرفٍ بثوب لابد أن يُلبس بمساحة بيضاء لم تمل الاحتواء والإنصات منا أبدا ، الرسالة بكل مراحل تطورها كانت وما زالت أداة إفصاح ،تُرسل من هذا لـ ذاك ، نصية ، الكترونية أو حتى عبر حروف هاتف احدهم ، قد تُغني عن الصوت إن كان مضمونها الصمت أوغياب ردة فعلٍ لا ترضينا ، ومهما كانت رسمية ستبدأ بشعور التقدير لتنتهي بالشعور ذاته أيضا. 
أكتب وتصلني الآن رسائل كثيرة عبر الهاتف أو حتى عبر بريدي الالكتروني، كلها وصلت لأنها تبدو كذلك لكن من بين هذه الأعداد رسائل أُخرى لم تصل ولن تصل أبدا، تلك التي تحمل كل شعور الوصول ولم تُصدقه. آه من تلك التي لم تصل.. تلك التي لم تتنفس الطريق والمسافات ، لم تشعر برهبة الوصول مبكراً  ، لم تشعر باحتمالات الإهمال  والتجاهل والنسيان، تلك الرسائل التي تُحفظ في أقصى طيات قلب، أو في مسودة دفتر مُهمل، أو في " نوت" هاتف ذكي يحمل ارقاماً سرية، أو حتى جُملة في أسفل شاشة هاتف تنتظر فقط زر ارسال لـ ترحل، تلك الرسائل التي تحمل مضمونا أكثر، تحمل صدقا أبهى واكبر، تحمل وضوحاً ناصعاً بلا رتوش أو مجاملة ، أو حتى شعور زائف مبطن ، جميعنا يكتبها ، والكل يخفيها ،في كل يوم ،كل ساعة ، كل ثانية ، وكل لحظة ، نكاد نطويها ألف مرة لأنها فقط تشبهنا أكثر، لأنها ترضينا ، تضُمنا وتحوينا كم منا تسلل لتلك الصفحة البيضاء ليدون شعور أو حرف خلسةً ؟ بعيدا عن أعين المارة ، بعيدا عن ردود أفعالهم ، يكتبها، ويسترسل هو يعلم تماما انها لن تصل ولن تُقرأ أبداً، كم منا مَثل الصمت وهو يحمل بحور حبرٍ وورق في جعبته ، آلاف سطورٍ لم تُنشر؟ ، كم منا ابتسم وفي صدره ألف كلمة احتفظ بها لنفسه لأنه لم يعد يهتم بإرسال جملة ، أو حرف ، او لأنه مجروح كفاية أن لا يُجرح أكثر . أن يُركن جانبا أو حتى يوضع في سلة مهملاتِ نهاية يومٍ شاق.
رسائل حبلى تُصاغ كل يوم ، تحمل من الهم ما يكفي أن تُفضح ، لكنها فقط أسيرة كلمة " إرسال "  ، اتذكر جيدا ما قالت امي عن رسائلها لأبي تقول :  كنا نرسم ملامحنا بحروف الأبجدية ، كنا نبكي ونضحك ونغضب ونشتاق، كُنا نحفظ سطورها جيدا نكاد نرويها بعد وصولها بساعات ، في كل مره نقرأ الحرف نراه يحمل ألف معنى آخر ، فقط لأننا نفتقر التواصل بشحٍ مُتلذذ مسكين ، به نتعطش الكلمة بكل صبر ويقين فقط لأن الجميع بشوقٍ يلهث وينتظر ، وتقول ايضا " انتم الآن تفتقدون أجمل ما الرسائل " قلت : ماذا ؟ . قالت : رائحة الحرف الممزوجة بدموع المُرسل وعطرٍه وبسمته ولون حبره.
رسائلنا تلك عصافير محتارة ُ، مُقيدة ما بين مرسل مرتبك يخاف ، ومُستقبِل مشتاق ينتظر أو لربما لم يعد يهتم ليفعل ، ففي الصمت الكل لا يدري ، الكل يُهمل والكل يهتم . رسائلنا تُجدي إن كانت تحمل المعنى الكافي فقط بتوقيت مناسب ، فتلك الرسائل المؤجلة دوما ما تُحرف أو تحذف ، فتفقد هيبتها ، وطلتها ، كعروس احتفظت بزينتها ليوم لا يشبه الزفاف. أما تلك الرسائل الأخيرة ، دوما ما تبدو يتيمة حين تُترك ،تحمل أكثر المشاعر ألماً وصدقا. هل فكرت يوما لمَ تكون الرسائل الأولى في الغالب أطول ؟ بتفاصيل أكثر ، بأحداثٍ لا هدف منها سوى الحديث ؟، لأنها فقط  لم تكن تنتظر ردة فعل معينة،. فبتكرار الرسائل يزداد التوقع فيزداد الألم ، كما قال شكسبير: expectations always hurts ،.فـ تلك الرسالة الأخيرة تحمل توقعا أكثر ، بحروف أقل ويغلب على محتواها اختصار يميت شغف الرد لا أكثر ، حتى إنها قد ترسل بلا عنوان أو حتى سلام مكرر،  فشعورنا اليوم كشعور ساعي بريد اختار وظيفة أخرى ، لأنه لم يعد يلملم شتات مشاعر كانت تحكي قصة.
  
* كاتبة من الكويت
نشرت في صحيفة
قاب قوسين الالكترونية
 03/10/2014  

No comments: