Tuesday, December 22, 2015

مشهد كنتُ فيه - نص نُشر في مجلة قاب قوسين الالكترونية

مشهد كنتُ فيه

       

صيف لشبونة 
تحديدا في المقهى المقابل للمكتبة العامة .
جلست برفقة صديقي وبلا كلمة سوى ما طلبنا من قهوة وقطع كعك لم تكن بطعم الكعك اطلاقا.
كُلٌ منا سافر جالسا يمتطي حرف مؤلف كتابٍ يحمله في يده . 
كعادتنا لا نخدش شعور الصداقة بيننا الا بالصمت في هذه الأجواء ، فتقديرنا لتلك اللحظات عززت قرَبنا اكثر ، فنأخذ وقتا أكثر لنقرأ ، أو تأخذنا القراءة فلا يفرق.
نرتشف بعضا من قهوة هذا المقهى المشهور مع بعض الحروف،
وحواراتنا المتباعدة التي تباغت ما يدور بيننا من صمت .
نبحث عن مكان نجلس به يحمل تفاصيل تبقينا اكثر،
يختار صديقي الطاولة المقابلة النافذة غالبا.
لنشهد ملامح الجو فنصمت اكثر مما نتحدث ،
او لربما لتحدثنا سطور ما بين أيدينا بصورة اعمق. 
مرّ من الوقت ما يلزم كي نبقى اكثر،
فإذا بفتاة حنطية ذات شعرٍ اسود ليلي  يتوسط هذا الليل منها قمر كوجهها الناعس تمر بجانبي ..
كما الياسمينة برداءٍ ابيض مُموه ،
تحمل من الكتب ما لا تستطيع حمله  بطريقة مرتبة جدا كأنها اعتادت على ذلك منذ زمن ..
وتحمل من الملامح أيضا ملامح الاندماج التي للتو عرفت إنها قد توجد حقا بين البشر.
تجلس على مسافة أمتار مِنَي انا تحديدا ، ليأتي النادل حاملا قهوتها التي يعرفها سلفا.
كانت غارقة بكتابٍ تقرأه لم اتمكن من قراءة عنوانه لأنه على يبدو كان بلغة أخرى لا اعرفها .
اطلت النظر بها لتسرق النظرات دون قصد نحوي ، فتبتسم .. لأبتسم .
كان بيننا لغة غريبة ، لا تشبه البرتغالية ولا العربية
ولا حتى مشتركة كما الإنجليزية. لكنها كانت لغة مفهومة جدا
وقريبة مني أيضا. أخذت اقرأ لمدة ساعة واكثر وهي كذلك.
سألت صديقي : ألم تلحظ تلك الحنطية هناك صاحبة الثوب الأبيض ؟ ..
رد : لا إطلاقا ..استدار رأسه نحوها ، فابتسم وقال لي: اتعلم انها تشبهك جدا،  وأكمل ما كان مشغولا به.
فقلت بعد صمت دام ثواني : كيف ذلك بربك ؟ ..
قال : لا أعلم .. لكن احسست بذلك جدا .
مرت دقائق فذهبت لأطلب كوبا آخرا من القهوة .
وعندما عدت نظرت لها مرة أخرى فابتسمت..
ربما لم تكن لتلك الابتسامة العفوية أي معنى على الإطلاق ، لكنها بلغتي المتواضعة كانت تعني : اقترب ..
يبدو مضحكا جدا اني اقتربت حقا.  فقلت لها : يبدو شكلك ساحرا ..
ابتسمت وقالت : شكرا جزيلا .
ومن ثم عادت لتلك الصفحة لتُكمل ما توقفت عنده ..
وانا لاأزال واقفا اتأمل أناملها الصغيرة وصفحات الكتاب، كما التي تعزف موسيقى بصمت رهيب
ثم قالت دون أن ترفع رأسها الغارق بذلك السطر من ذلك الكتاب :
باستطاعتك أن تجلس ، وأشارت على الكرسي المقابل لها ..
لم افكر للحظة فجلست وكان أول سؤال محتمل مني : ماذا تقرئين ؟
هذا السؤال تحديدا يصنف لدى مدمني القراءة مثلي
كسؤالٍ يوميٍ مكرر مثل ما نعنيه في: "كيف الحال" ؟ او لربما "ما حالة الطقس اليوم ؟ "
ضحكت وقالت : يعنيك جدا؟ ..
قلت لها  : جدا ..
فقالت : ساراماغو رواية الأعمى ..
ابتسمت للغة الكتب التي توحد شعوب بأكملها ..
فقلت لها : اختيار موفق جداً ، قرأتها الصيف الماضي ،
فقد كانت ممتعة حقا. أتعلمين ما لفتني بهذه الرواية تحديدا؟
عندما تطرق الكاتب لما يسمى بالعمى الفكري
وتحديدا ما قالته زوجة الطبيب في ختام الروايةا :
"لا أعتقد أننا عمينا بل أعتقد أننا عميان يرون، بشر عميان يستطيعون أن يروا لكنهم لا يرون"
ابتسمت عيناها وخلعت نظارتها ذات الإطار الأسود ثم قالت: عفوا يا أنت لم اصل الى ذلك .. تمهل.
 
أخذ الحوار بيننا الى أبعد مما تصورت، عن تفاصيل متباعدة جدا ومتقاربة ..
عن مؤلفي موطنها البرتغال ، عن أجمل ما كتبوا ،
عن الروايات الرومانسية والأخرى البوليسية والمقالات والشوارع والمدن والطقس ومعظم الكتب بلا نقص.
عن جنون فرناندو بيسوا في "اللاطمأنينة"..
عن شخصية أوسكار في رواية طبل الصفيح
لـ غونتر غراس ..عن غنائية الشعر البرتغالي في قصائد أوخينيو أندرادي ، وصولا لنونو جوديس . 
كان ملفتاً جدا احساسها بالفخر والتواضع معا ، بتلذذها لما تقول.
كانت تصف الحرف الذي تقرؤه بأوصاف جديدة لم اتذكر يوما أني قد سمعتها من قبل أو حتى تقبلتها من أحد آخر.
كانت تصنف الكتب كأثر التوابل في مطبخ أمها البرتغالي العتيق
وكما قالت : قصيدة كقصيدة فرناندو بيسوا تبدو لي كطعم الـ الكالدو الأخضر الحاذق مثلا.
فتبتسم جدا ، لتحرك يديها بكل عفوية وهي تغمض عينيها متخيلة أبيات قصيدة ما، 
أو أحداث بعض الروايات التي ما زالت تقرأها، ثم تضحك فجأة لنهاية رواية أخرى مرت في بالها للحظة..
 كنت اتأمل ملامحها ، كان شيئا ساحر جدا ..
كان كل هذا جزءا من مشهد سنيمائي لطالما شاهدته الا اني كنت اليوم بطلا بين تفاصيله..
طال الحوار بيننا الى أكثر من ساعة ومرّ كسرعة الصوت،
وتحديدا على صوت مكالمة من صديقي الجالس هناك أمام النافذة ..
يشير الي قائلا : كان مزعجا جدا حواركما سمعت كل شيء الا انني كنت أتمنى ان أشارك ولو بجمله ..
ابتسمت وقلت لها : عذرا علي أن أذهب .. كان ممتعا جدا الحوار معكِ حتى أن صديقي بدأ يشعر بالغيرة.
فقالت ضاحكة جملة طرزت كل ما قيل : حافظ على غيرة صديقك وحب كتابك فما ان يغيب احداهما ستشعر بالوحدة..
مضيت أحمل من المتعة والدهشة التي لا توصف لحوار امرأة ٍلا أعرف حتى اسمها ،  لتلبس هي نظارتها من جديد  كأنها تقول " أراك لاحقا في صدفة ما .. في شارع ما ، أو لربما في صفحات كتابٍ سنقرؤه معا."
 

نشرت في صحيفة
قاب قوسين الالكترونية
10/29/2015
 
 

لقاءٌ عابرٌ في مقهى - نص نُشر في مجلة قاب قوسين الالكترونية

لقاءٌ عابرٌ في مقهى

           
 
 
في صباح صيف سان فرانسيسكو ،جلست في تلك الزاوية من ذلك المقهى تحديدا مقابل النافذة ..انتظرها .
جلست اتأمل المارةكعادتي. الكل عابر والكل ماضٍ ، أصواتهم خافتة يحكي قصة.
قلوبهم متعبة ، عقولهم تهرب ، لربما يلقى أحدهم  فرصة، او حتى يلتقي بمن يحب صدفة
الكل كان يحمل نفسه رغما عنها ، حتى يثبت انه يقدر .. وكفى به لـ ينسى
حتى أتت صديقتي الجديدة وقد اسميها صديقتي المريحة، التي تشبهني جدا رغم كل تفاصيل الاختلاف الا اني وبكل شغف اراها لأول مرة  .
كنت مستعدة لمثل هذا اللقاء منذ زمن .
لـ لقاء احدٍ بالكاد اعرفه ، يسكن مكان آخر، يتكلم لغة أخرى ، يحمل تفاصيل وملامح لا تشبهني ابدا.
لقاء أول بأحدٍ احكي له قصصا لا تهمه ..تفاصيل لا تعنيه ، بأمور لا تخصه .. لـ يرتاح قلبي ..
ولا يأبه عقلي وامضي وأنا "لست مهتمة ".
بعد مضي ساعة من اللقاء ادركت اني لم اطلب لها حتى قهوة ، كان الوقت يبحر بنا دون شعور ..
كان الجو باردا جدا حتى بات حميما بحرارة لقاء ما كنت اتصوره.
الى ان رسى الحوار بيننا على سؤال مباغت لا يستهويني،
فأنا احب طرح الأسئلة ولا احب ابدا الإجابة عليها .. قالت :
: نورا ..هل لي ان اسألك سؤالا ؟
: نعم بكل تأكيد ..
: كيف للعودة ان تصبح فرصة ؟ او بصيغة أخرى كيف لنا ان نعود من جديد ؟
رمشت لثوانٍ  وابتسمت ، وقلت
: انا من يحتاج جواباً لذلك ،لكن سأحاول هذه المرة.
ان نعود يعني ان نتنازل ، ان نتجاهل ، يعني ان نتغافل عن  انفسنا اكثر،
 ففي العودة تخلٍ ، وفي التخلي رجوع ، وفي الرجوع انكسار.
رغم كل هذا إلا ان العودة منحة قبل كل شيء
فحينما نعود لتفتح صفحة جديدة ،نعود لنشبهنا أكثر
نرتب أمتعة البقاء ..لنرتاح بها من جديد.
ان نزاول حب البدايات
ان لا نرى عيبا في انتهاء النهايات
ان لا نمضي عنهم بل نبقى .
بل نعود لهم أنقى وأنقى .
بل نستمع لحديث كان يرهقهم .
أن نعلم ان الكل دوننا وبنا يشقى .
ان نقترب ممن نحب ،ان نهتم .
نجعله أسعد فأسعد، .أقرب نوراً ولو كان أبعد .
ان نروي لهم الحب جُملا .
ان نرى بهم اليوم عُمرا .
ان نرسم لهه السماء صدرا .
ان نحلق معهم لمسافات الشعور.
للبوح .. لبوادر فرحٍ كان بنا وبهم كسول
ان نعتاد ان تقطف لهم وردا كل يوم .
نغلفه حبا ونُذيله امتنان، تُشعرهم بأن الحياة بهم أجمل ، أبهى وأزهى
هكذا نُحب ـن نعود .. لنعود فنُحَب بصورة افضل  ، فنجد فرص للبقاء أطول واكثر
ابتسمت  وقالت :
هكذا اريد ان اعود في كل مرة اقنعت نفسي فيها ان الرحيل سيد الموقف
ورحلنا انا وهي ، وفرّقنا المقهى الذي جمعنا لأول مرة
بكل حب ، بكل صمت ، على أمل أن نعود لنبقى اكثر.
 أغسطس - سان فرانسيسكو صيف 2014 
 
* كاتبة من الكويت
نشرت في صحيفة
قاب قوسين الالكترونية
09/12/2014       

 

 
 

رسائل لم تصل - نص نُشر في مجلة قاب قوسين الالكترونية

رسائل لم تصل

       
 
 
الرسائل تلك المشاعر المُطرزة على هيئة حرفٍ بثوب لابد أن يُلبس بمساحة بيضاء لم تمل الاحتواء والإنصات منا أبدا ، الرسالة بكل مراحل تطورها كانت وما زالت أداة إفصاح ،تُرسل من هذا لـ ذاك ، نصية ، الكترونية أو حتى عبر حروف هاتف احدهم ، قد تُغني عن الصوت إن كان مضمونها الصمت أوغياب ردة فعلٍ لا ترضينا ، ومهما كانت رسمية ستبدأ بشعور التقدير لتنتهي بالشعور ذاته أيضا. 
أكتب وتصلني الآن رسائل كثيرة عبر الهاتف أو حتى عبر بريدي الالكتروني، كلها وصلت لأنها تبدو كذلك لكن من بين هذه الأعداد رسائل أُخرى لم تصل ولن تصل أبدا، تلك التي تحمل كل شعور الوصول ولم تُصدقه. آه من تلك التي لم تصل.. تلك التي لم تتنفس الطريق والمسافات ، لم تشعر برهبة الوصول مبكراً  ، لم تشعر باحتمالات الإهمال  والتجاهل والنسيان، تلك الرسائل التي تُحفظ في أقصى طيات قلب، أو في مسودة دفتر مُهمل، أو في " نوت" هاتف ذكي يحمل ارقاماً سرية، أو حتى جُملة في أسفل شاشة هاتف تنتظر فقط زر ارسال لـ ترحل، تلك الرسائل التي تحمل مضمونا أكثر، تحمل صدقا أبهى واكبر، تحمل وضوحاً ناصعاً بلا رتوش أو مجاملة ، أو حتى شعور زائف مبطن ، جميعنا يكتبها ، والكل يخفيها ،في كل يوم ،كل ساعة ، كل ثانية ، وكل لحظة ، نكاد نطويها ألف مرة لأنها فقط تشبهنا أكثر، لأنها ترضينا ، تضُمنا وتحوينا كم منا تسلل لتلك الصفحة البيضاء ليدون شعور أو حرف خلسةً ؟ بعيدا عن أعين المارة ، بعيدا عن ردود أفعالهم ، يكتبها، ويسترسل هو يعلم تماما انها لن تصل ولن تُقرأ أبداً، كم منا مَثل الصمت وهو يحمل بحور حبرٍ وورق في جعبته ، آلاف سطورٍ لم تُنشر؟ ، كم منا ابتسم وفي صدره ألف كلمة احتفظ بها لنفسه لأنه لم يعد يهتم بإرسال جملة ، أو حرف ، او لأنه مجروح كفاية أن لا يُجرح أكثر . أن يُركن جانبا أو حتى يوضع في سلة مهملاتِ نهاية يومٍ شاق.
رسائل حبلى تُصاغ كل يوم ، تحمل من الهم ما يكفي أن تُفضح ، لكنها فقط أسيرة كلمة " إرسال "  ، اتذكر جيدا ما قالت امي عن رسائلها لأبي تقول :  كنا نرسم ملامحنا بحروف الأبجدية ، كنا نبكي ونضحك ونغضب ونشتاق، كُنا نحفظ سطورها جيدا نكاد نرويها بعد وصولها بساعات ، في كل مره نقرأ الحرف نراه يحمل ألف معنى آخر ، فقط لأننا نفتقر التواصل بشحٍ مُتلذذ مسكين ، به نتعطش الكلمة بكل صبر ويقين فقط لأن الجميع بشوقٍ يلهث وينتظر ، وتقول ايضا " انتم الآن تفتقدون أجمل ما الرسائل " قلت : ماذا ؟ . قالت : رائحة الحرف الممزوجة بدموع المُرسل وعطرٍه وبسمته ولون حبره.
رسائلنا تلك عصافير محتارة ُ، مُقيدة ما بين مرسل مرتبك يخاف ، ومُستقبِل مشتاق ينتظر أو لربما لم يعد يهتم ليفعل ، ففي الصمت الكل لا يدري ، الكل يُهمل والكل يهتم . رسائلنا تُجدي إن كانت تحمل المعنى الكافي فقط بتوقيت مناسب ، فتلك الرسائل المؤجلة دوما ما تُحرف أو تحذف ، فتفقد هيبتها ، وطلتها ، كعروس احتفظت بزينتها ليوم لا يشبه الزفاف. أما تلك الرسائل الأخيرة ، دوما ما تبدو يتيمة حين تُترك ،تحمل أكثر المشاعر ألماً وصدقا. هل فكرت يوما لمَ تكون الرسائل الأولى في الغالب أطول ؟ بتفاصيل أكثر ، بأحداثٍ لا هدف منها سوى الحديث ؟، لأنها فقط  لم تكن تنتظر ردة فعل معينة،. فبتكرار الرسائل يزداد التوقع فيزداد الألم ، كما قال شكسبير: expectations always hurts ،.فـ تلك الرسالة الأخيرة تحمل توقعا أكثر ، بحروف أقل ويغلب على محتواها اختصار يميت شغف الرد لا أكثر ، حتى إنها قد ترسل بلا عنوان أو حتى سلام مكرر،  فشعورنا اليوم كشعور ساعي بريد اختار وظيفة أخرى ، لأنه لم يعد يلملم شتات مشاعر كانت تحكي قصة.
  
* كاتبة من الكويت
نشرت في صحيفة
قاب قوسين الالكترونية
 03/10/2014